حسن الأمين

61

مستدركات أعيان الشيعة

ترجل الشاه وترجل معه العسكر وتوجه الجميع للزيارة والدعاء . ثم غادر العسكر الصفوي مشهد متوجها إلى هرات فوصل حدود بادغيس وهناك قدمت شكاوى الأهالي الشيعة والجنود القزلباش إلى الشاه فعلم منها أن بعض قبائل البادية وتركمان مرغاب وكذلك بعض قبائل جهار أو يماق كان لها دور في قتل العديد من أفراد القزلباش الهاربين من معركة عجذوان وعلم كذلك أن بعض قبائل مرغاب قد دخلت في طاعة الأوزبك دون إكراه أو إجبار ، فثارت ثائرة الشاه واستشاط غضبا ، ثم أمر بعد تعيين القبائل المقصرة بالسير لها وإبادتها فامتثل للأمر السلطان جوجي أحد قادة القزلباش الأشداء وأغار على تلك القبائل فاسال من دمائها أنهارا ونهب أموالها ، فكان تأديبا عنيفا أتى ثماره على أفضل وجه ، فكثيرا ما حدث في السنين التالية أن تعرضت خراسان لغارات الأوزبك دون أن يجرؤ أحد من تلك القبائل على مد يد العون لهم سواء في ذلك الشيعي أو السني . وبعد الفراغ من تأديب القبائل غادر عسكر القزلباش بادغيس إلى منطقة بابا خاكي وهي قريبة من هرات فحطت الرحال فيها ، وحين علم أهالي هرات باقتراب موكب الملك الصفوي أخذوا يتوافدون عليه لطرح شكاواهم ومعاناتهم فكان الملك يشملهم بعطفه ويحاول التخفيف عنهم . ثم أمر وزيره الأعظم الأمير نظام الدين عبد القاضي بالسير إلى هرات وتنظيم أمورها ، فدخلها مصطحبا معه حاكمها الجديد زينل خان وباشر في دفع المظالم عن الناس وإعادة الأمور إلى مجاريها . ومن الأمور الأخرى التي حدثت في تلك الأوقات إرسال شاه رخ بيك لفتح قندهار ولهذا الأمر قصة نحاول عرضها فيما يلي بايجاز : بعد وفاة السلطان حسين ميرزا بايقرا استقل أحد زعماء دولته الجغتانية وهو الأمير ذو النون أرغون بولاية قندهار ، ولما استولى بابر شاه على ولاية كابل وثبت أركان دولته فيها عزم على احتلال قندهار فلجا ذو النون إلى الشاه إسماعيل حيث بعث بابنه شجاع بيك إلى هرات للقاء الشاه فيها ، فالتقى الشاه ، وقدم له آداب الطاعة والخضوع ، ولكن الشاه إسماعيل أدرك أن القصد من ذلك هو إضاعة الوقت وتفويت الفرصة على بابر شاه ولذلك حينما بدأ رحلة العودة إلى العراق أمر حسين بيك حاكم خراسان بحبس شجاع بيك اختيار الدين في هرات حتى يتقرر مصير قندهار . ومكث شجاع بيك في القلعة إلى حين ثم استعان ببعض أعيان هرات وأفلت من حبسه ليعود إلى قندهار . وبلغ حسين بيك خبر فرار شجاع بيك فغضب غضبا شديدا وأمر بحبس جميع الجغتائيين وأتباعهم الموجودين في هرات وكان هذا الأمر المتسرع سببا في إلحاق الأذى بالعديد من الأبرياء وسببا أيضا فيما بعد بعزل حسين بيك من ولاية خراسان كما عزل من قبل من ولاية هرات . وفي الوقت الذي كان جيش القزلباش يعسكر في بابا خاكي أمر الشاه إسماعيل شاه رخ بيك أفشار بالهجوم على قندهار بقوة من القزلباش وأوصاه بالتوجه لمساعدة ديو سلطان في محاصرة قلعة ( اندخود ) بعد فراغه من أمر قندهار . وسار شاه رخ بيك إلى قندهار فلم يفلح في فتحها حيث تحصن فيها الأمير سلطان علي عم شجاع بيك فتوجه إلى قلعة اندخود فسمع في أثناء الطريق بفتحها وإبادة أهلها ، فلحق بمعسكر القزلباش بالقرب من أصفهان وقدم تقرير أعماله للشاه إسماعيل . وهكذا استقرت الأوضاع في خراسان وثبتت أقدام القزلباش في مدينتيها الرئيسيتين ، هرات وبلخ حيث سيطر ديو سلطان على طخارستان سيطرة تامة وأرسى زينل خان دعائم النظام والاستقرار في هرات ، وحين ذاك بلغت الشاه إسماعيل أخبار من الحدود الغربية للبلاد تقتضي سفره إلى العراق ، ومن ثم شد الرحال من بابا خاكي إلى طوس في أوائل عام 919 ه‍ . وفي طوس بلغت أنباء تفيد بتمرد بعض الجغتائيين وتعيينهم لأحد الأمراء التيموريين وهو السلطان محمد بايقرا بن الميرزا أبو الحسن بايقرا ملكا في حدود ولاية نسا وأبيورد فسار إليهم الأمير نظام الدين عبد الباقي ومحمد بيك استاجلو فشتتا جمعهم وأهلكا منهم جماعة كثيرة ثم فرضا النظام في شمال خراسان وعادا للالتحاق بجيش القزلباش . وأمضى الشاه إسماعيل شتاء عام 919 هفي أصفهان ثم توجه إلى همذان في بداية الربيع . وفي همذان وصلت أنباء مهمة عن تحركات الجيش العثماني توحي بان السلطان سليم ينوي الهجوم على الموصل وبغداد عن طريق ديار بكر والجزيرة ولكن آخر الأخبار التي وصلت من ديار بكر كانت تفيد بتحرك السلطان العثماني بجيوش جرارة نحو آذربايجان . بداية الحروب العثمانية - الإيرانية وحقيقة معركة جالدران ذكرنا فيما مضى أن سلاطين الدولة العثمانية كانوا يطمحون لبسط نفوذهم على الحرمين الشريفين وسائر البلاد الإسلامية ومنها إيران التي كانت تمثل عقبة كئود أمام تحقيق الطموحات العثمانية لما كانت تتمتع به من قوة معنوية ومادية ، ومن ثم كان السلطان بايزيد ينفق أموالا طائلة للحصول بعض النفوذ في إيران . وكان نفوذ الأسرة الصوفية يمتد إلى الأراضي العثمانية بل يؤثر حتى على بعض رجال وأعيان البلاط العثماني ولذلك بقيت الرغبة في احتلال إيران مجرد حلم بعيد طوال حياة السلطان بايزيد ، ولكن بعد أن أقعده المرض وخلفه ابنه في العرش أخذ الأخير يراقب تعاظم شان الشاه إسماعيل بكثير من القلق والريبة